أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
236
العقد الفريد
وأنت لأهل الخير روح ورحمة * نعم ، ولأهل الشّرّ صاب وعلقم « 1 » وحدث بقي بن مخلد الفقيه قال : ما كلمت أحدا من الملوك أكمل عقلا ، ولا أبلغ لفظا من الأمير محمد ؛ دخلت عليه يوما في مجلس خلافته فافتتح الكلام فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم ذكر الخلفاء خليفة خليفة ؛ فحكى كل واحد منهم بحليته ونعته ووصفه ، وذكره مآثره ومناقبه ، بأفصح لسان ، وأبين بيان ، حتى انتهى إلى نفسه فسكت . وخرج الأمير محمد يوما متنزها إلى الرصافة ومعه هاشم بن عبد العزيز ، فكان بها صدر نهاره على لذّاته ، فلما أمسى واختلط الظلام رجع منصرفا إلى القصر وبه اختلاط ؛ فأخبرني من سمعه وهاشم يقول له : يا سيدي يا بن الخلائف ، ما أطيب الدنيا لولا ، قال له : لولا ما ذا ؟ قال : لولا الموت ! قال له : يا بن اللخناء لحنت « 2 » في كلامك ؛ وهل ملكنا هذا الملك الذي نحن فيه إلا بالموت ، ولولا الموت ما ملكناه أبدا . وكان الأمير محمد غزّاء لأهل الشرك والخلاف ، وربما أوغل في بلاد العدوّ الستة الأشهر أو أكثر ، يحرق وينسف ، وله في العدوّ وقيعة وادي سليط ، وهي من أمهات الوقائع ؛ لم يعرف مثلها في الأندلس قبلها ، وفيها يقول عباس بن فرناس ، وشعره يكفينا من صفتها : ومختلف الأصوات مؤتلف الزّحف * لهوم الفلا عبل القبائل ملتفّ « 3 » إذا أومضت فيه الصّوارم خلتها * بروقا تراءى في الجهام وتستخفي « 4 » كأنّ ذرّى الأعلام في سيلانه * فراقد يم قد عجزن عن القذف « 5 »
--> ( 1 ) الصاب : شجر مرّ له عصارة بيضاء كاللبن بالغة المرارة . ( 2 ) لحن في كلامه : أخطأ الاعراب وخالف وجه الصواب في النحو . ( 3 ) لهمه : ابتلعه بمره . ( 4 ) الجهام : السحاب الذي لا ماء فيه . ( 5 ) فراقد : جمع فرقد : وهو النجم القريب من القطب الشمالي ثابت الموقع تقريبا ولذا يهتدى به .